السيد محمدحسين الطباطبائي

44

الإعجاز والتحدى في القرآن الكريم

معارف المبدأ والمعاد وبين صدور أمر يخرق العادة عنهم . مضافا إلى أنّ قيام البراهين الساطعة على هذه الأصول الحقّة يغني العالم البصير بها عن النظر في أمر الإعجاز ولذا قيل إنّ المعجزات لإقناع نفوس العامّة لقصور عقولهم عن إدراك الحقائق العقليّة وأمّا الخاصّة فإنّهم في غنى عن ذلك . والجواب عن هذا السؤال أنّ الأنبياء والرسل عليهم السّلام لم يأتوا بالآيات المعجزة لإثبات شيء من معارف المبدأ والمعاد ممّا يناله العقل كالتوحيد والبعث وأمثالهما وإنّما اكتفوا في ذلك بحجة العقل والمخاطبة من طريق النظر والاستدلال كقوله تعالى : قالَتْ رُسُلُهُمْ أَ فِي اللَّهِ شَكٌّ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ « 1 » ، في الاحتجاج على التوحيد وقوله تعالى : وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ . أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ « 2 » ، في الاحتجاج على البعث . وإنّما سئل الرسل المعجزة وأتوا بها لإثبات رسالتهم وتحقيق دعواها . وذلك أنّهم ادعوا الرسالة من اللّه بالوحي وأنّه بتكليم إلهي أو نزول ملك ونحو ذلك وهنا شيء خارق للعادة في نفسه من غير سنخ الإدراكات الظاهرة والباطنة التي يعرفها عامّة النّاس ويجدونها من أنفسهم ، بل إدراك مستور عن عامّة النفوس لو صح وجوده لكان تصرفا خاصّا مما وراء الطبيعة في نفوس الأنبياء فقط ، مع أنّ الأنبياء كغيرهم من أفراد الناس في البشريّة وقواها ، ولذلك صادفوا إنكارا شديدا من الناس ومقاومة عنيفة في ردّه على أحد وجهين : فتارة حاول الناس إبطال دعواهم بالحجّة كقوله تعالى : قالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونا عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا « 3 » ، استدلوا فيها

--> ( 1 ) إبراهيم - 10 . ( 2 ) ص - 28 . ( 3 ) إبراهيم - 102 .